قصص بلا حدود

ماريا كيارا

إلدا، جرّاحة أوعية دموية، نائبة الرئيس في أطباء بلا حدود

من يمنحها كل هذه الطاقة؟!
قد تكون جدتي. فقط أن جدتي الآن بالتأكيد ستكون أمام التلفاز، بينما هي من تصطحبني إلى مؤتمر في جراحة الأوعية الدموية في صقلية. وأنني يجب أن أعمل بجد للحفاظ على وتيرتها.
هي نائبة رئيس منظمة أطباء بلا حدود، وهي أيضًا أستاذتي في جراحة الأوعية الدموية. هي مثلي الأعلى. أسألها: «دكتورة، عندما تخصصتِ، كم امرأة كان هناك في دورتك؟« تجيبني: «حينها كنتُ الوحيدة. مساعد الأستاذ كان يسألني كل يوم: «وماذا تفعلين أنتِ هُنا بعد؟ مكان المرأة هو في طب الأطفال!» بقيت في الجراحة خصوصًا لأتفوَّق عليه.
حتى إنني لم أستطع أن أبدأ على الفور في البعثات الإنسانية. اضطررت أن أنتظر حتى أبلغ خمسين عامًا لأذهب إلى بوروندي، لأنهم قالوا لي أنه إذا أردت أن أحقق مسيرة أكاديمية عليا، يجب أن أترك فكرة الذهاب للعمل في أماكن خطرة. «
«دكتورة، أود أنا أيضًا أن أعمل في البعثات الإنسانية! لكن خطيبي لا يريد، يقول إنها خطرة وأنه إذا أردت أن أكون عائلة يجب أن أتخلى عن هذه الأفكار.  تتوقف الأستاذة فجأة وتقف أمامي: «وأنتِ، اتركيه! لا يجب أن تكوني مع من لا يتيح لكِ أن تخوضي تجربة مهنية وإنسانية تراها مهمة. للعمل في مهن تتطلب جهدًا، الشرطان الوحيدان هما أن تريدِها بشدة وأن تحبي شخصًا لا يعوقك. الوقوع في الحب يزول بالتدريج، وإن لم يتحول إلى شيء أعمق، تنهار العلاقة. وإذا كان الشريك مقتنعًا بأن الطهي يجب أن تعمله المرأة بلا جدال، اتركيه فورًا. أن تكوني مع شخص ذكي أمر أساسي. نقطة!
أحبائي، العمل مع أطباء بلا حدود تجربة تفتح القلب! في مناطق من العالم حيث الصحة لا تزال ترفًا للأثرياء، نحن نعالج الجميع مجانًا، وهذا ثورة حقيقية.
عندما ننطق قسم أبقراط، نحن الأطباء نتعهد بأن نعالج كل مريض بضمير واجتهاد، بغض النظر عن العرق، أو الدين، أو الجنسية، أو الوضع الاجتماعي، أو الانتماء السياسي.
في منظمة أطباء بلا حدود نضمن دائمًا أدنى معايير الرعاية. تخيلوا أنه في حالات الكوارث الطبيعية، فريقنا اللوجستي قادر على إنشاء مستشفى خلال ثماني وأربعين ساعة، مع كل ما يلزم للتعامل مع عمليّات جراحية لمدة يومين أو ثلاثة. لكن ما يجعلني حقًا مبهورة هو المستشفى المصنوع بالنفخ! هل رأيتم يومًا النفخات الهوائية للأطفال؟ حسنًا، المبدأ هو نفسه. تُفرش أرضية مخصصة، يُوضَع فوقها الهيكل المنفوخ، يُوصل المولّد، وتعمل ببساطة. خلال ربع ساعة تحصلين على مستشفى صغير مكوَّن من عدة خيام هوائية مجهَّزة بكل الخدمات ومستقلة تمامًا في الماء والكهرباء!

لكن هل تعملون ما الذي أود أن أُدخله اليوم في أطباء بلا حدود لو كان لدي عصا سحرية؟
أتمنى أن يتمكن المتخصصون في السنوات الأخيرة من التخصص أن يعملوا مع أطباء بلا حدود، على الأقل في البيئات الأقل خطورة. العمل في ظروف ذات موارد محدودة يجبر الطبيب على الاعتماد على ما درسه، ولكن قبل كل شيء على يديه وعينيه . أن تختبر نفسك مع أطباء بلا حدود بينما لا تزال طبيبًا مقيمًا سيجعلك طبيبًا مختلفًا طوال حياتك. أنا مقتنعة بذلك تمام. هكذا تقول إلدا..

طاقم الطائرة يطلب منا إطفاء الهواتف. ألتقط هاتفي، أفتح المحادثة مع حبيبي، وأكتب بسرعة قبل أن أتراجع:
“ماركو، سأسافر في مهمة إنسانية. هذا الأمر مهم بالنسبة لي، وبالتالي مهم لنا، إذا كنت تهتم لأمري. سنتحدث حين أعود إلى المنزل. لكنني لن أغيّر رأيي.” أضيف ثلاث قلوب، أضغط إرسال، وهذه المرة أُطفئ الهاتف حقًا.

اليسيا

كانديدا، 38 عامًا، مسؤولة عن قسم التواصل

جالسين أمام بوابة الصعود، كان شخصان مسنّان ينظران حولهما بقلق. في حقيبة سفر واحدة وضعا الملابس، وفي الأخرى وضعا الحلويات الكاتانية لأحفادهما. إنهما متوجهان إلى ميلانو لزيارة ابنهما وعائلته. مرّ أمامهما مجموعة من الشباب ذوي الثقوب والوشوم. تأمّل الرجل المرافق وقال:
“ابنُنا لم يُقدم يومًا على رسم وشم؛ إنه رجل جادّ للغاية، لا يفكّر إلا في العمل والعائلة. ليباركه الربّ.” وما إن سمعت الزوجة ذكر الرب، حتى بادرت إلى رسم إشارة الصليب على نفسها. “لكلّ جيلٍ أزياؤه.” فأجاب الرجل:
“لكن الأمر لا يتعلق بالموضة، بل بالاحتشام. هؤلاء الذكور يشبهون الإناث، والإناث يشبهن الذكور. لم أعد أفهم شيئًا. إنهم كائنات غريبة، هذا ما هم عليه.” جلست بجانبهم امرأة في المقعد المجاور، وكانت تتحدث في الهاتف بانفعال شديد.
وأخيرًا أنهت المكالمة قائلة كلمات نابية. لم تكن هناك حاجة إلى مترجم من الإنجليزية إلى الإيطالية لفهم أنها كانت سلسلة من الشتائم.

ثم التفتت إليهما قائلة بالإيطالية: “أعتذر إن كنت قد أزعجتكما بمكالمتي الهاتفية. ولكن، هل تعلمان أن هناك في هذه اللحظة أزمة إنسانية غير مسبوقة في تشاد، تطال ما لا يقل عن ثلاثمئة ألف إنسان؟” “وبالطبع لا تعلمان! لا أحد يعلم، لأن الصحفيين لا ينشرون الأخبار التي أرسلها إليهم! تشاد دولة إفريقية، وفي شرقها، على الحدود مع السودان ودارفور، يوجد مخيّم للاجئين…”

سأل الرجل باستغراب: “عذرًا آنسة، ولكن أليست دارفور نوعًا من الحلوى؟”

“لا، تلك تُسمى دوفور!”

“على أي حال، في هذا المخيم آلاف الأشخاص الذين لا يملكون سوى بعض الخيام، أفهمتما؟ مؤخرًا، تعرّفتُ على شاب من دارفور كان يعيش هناك مع زوجته وطفله الصغير. قبل عامين، أحرق المقاتلون القرية المجاورة له، واضطر إلى الفرار مع زوجته، التي كانت حينها في شهرها التاسع من الحمل. لم يكن بوسعهما الانتظار حتى الولادة، إذ إنّ البقاء هناك كان يعني الموت المحتّم. سارا طوال اليوم، وعند المساء وصلا إلى قرية مهجورة. دخلا كوخًا واستلقيا على الأرض. لكن في أثناء الليل، بدأت آلام الولادة لدى الزوجة. كانا وحيدَين، عديمي الخبرة، في قرية خالية.
لم يكن يعلم كيف يساعدها، فركض تحت ضوء النجوم حتى بلغ أقرب قرية بحثًا عن قابلة. وعند الفجر، أنجبت زوجته، بمساعدة المرأة، الطفل الصغير علي.”

“يا إلهي، كأنها مريم ويوسف”، علّقت السيدة.

«تماماً، ولكن بعد أكثر من ألفي عام! لقد مكثوا يومين في ذلك الكوخ المهجور لتستعيد هي قواها، ثم استأنفوا السير، ونجحوا في عبور الحدود والوصول إلى مخيم اللاجئين. وهم الآن يعيشون على المساعدات الإنسانية، في خيمة صنعت من أغصان وأقمشة. طفلهم غير مسجَّل في السجلات المدنية، ولا يُحتسب في الإحصاءات، أتفهمون؟ عليّ طفل لا وجود له! ولا وجود له لأنّ الصحف لا تريد أن تنشر خبر هذه الأزمة الإنسانية، تبّاً لهم«.

قالت لها السيدة: «وهل أنتِ صحفية حرب؟« فأجابت: «أجل، نوعاً ما. لقد درستُ الاتصال والتعاون الدولي لأنني كنتُ أرغب في أن أصبح صحفية. ثم، في بداية عام 2014، انطلقتُ مع منظمة إنسانية إلى جنوب السودان، حيث اندلع لتوّه صراع دموي. وعندما وصلت إلى مخيم اللاجئين، أدركت أنه لا يوجد شيء… لا شيء إطلاقًا.

أنا شخص يمكنه الحديث حتى إلى الجدران، ومع ذلك، لم أجد الكلمات لمدة يومين. كنت أفكر: بالأمس كنتُ في روما أختار أي بلسم للشعر سأحمله معي، واليوم أنا في مخيم محاطة بأناس لا يملكون شيئاً، وخارج المخيم آلاف الجثث مكدسة تنتظر الدفن. لقد اجتاحتني الصدمة، وكل ما كنت قد درسته وتخيلته قد تلاشى في لحظة. في اليوم الثالث، شعرت بشيء في داخلي، وفهمت أنني في المكان الذي أردت أن أكون فيه، أفعل ما كنت أريده حقًا: أن أشهد. إنها وظيفة شاقة، ولكنها رائعة، أؤكد لكم ذلك. ثم تمكنت من الانضمام إلى منظمة أطباء بلا حدود، وها أنا هنا الآن. أؤدي مهمتين في المنظمة: أولاً، أُعدّ تقارير عن الأوضاع السياسية والاجتماعية في الدول التي توجد بها بعثاتنا، لأشارك المعلومات المفيدة مع من يعمل هناك. ثم، أنقل لوسائل الإعلام ما نقوم به، لأننا غالبًا نكون في أماكن لن يصل إليها أحد غيرنا، وإن لم نتحدث نحن، فلن يتحدث أحد. نحن صوت من لا صوت له «

سألها الرجل من الزوجين: «لكن، هل أنتم أحرار في الكلام في جميع دول العالم، حتى تلك التي يحكمها الطغاة؟«

فقالت: «للأسف، في بعض الدول الأمر أصعب: هناك خطر أن تُوقَف المشاريع، أو أن يُنتقَم من طاقمنا المحلي. في تلك الحالات، علينا أن نُقيّم الأمور بحذر شديد: من جهة، نشعر بضرورة قوية لإعطاء الشهادة؛ ومن جهة أخرى، نرغب في مواصلة علاج الناس وحماية موظفينا. «رنّ هاتفها، فابتسمت للزوجين وابتعدت لتجيب.

قالت الزوجة: «أنتو، حين نعود إلى كاتانيا، يجب أن تذهب مباشرة إلى البنك، فعلينا أن نُجري تحويلًا لهذه المنظمة، هل فهمت؟«

تنهد الزوج وقال: «ها قد بدأنا نتبرع للغرباء أيضاً! «استدارت إليه زوجته غاضبة، لكنها سرعان ما أدركت أنه يمازحها، فقالت: «طبعًا سأذهب إلى البنك، تلك المرأة دوّختني بكلامها، لكنها متميزة للغاية«.

إيزابيلا
“حسنًا، إذن نلتقي يوم الجمعة في الساعة العاشرة لإجراء المقابلة. سيرتي الذاتية في كلمتين؟ انظري، اختزالها في كلمتين أمرٌ مستحيل. سأرسلها لك عبر البريد الإلكتروني، حسنًا؟ أعتذر، لكن عليّ أن أذهب الآن.”

في كلمتين؟ حسنًا، في كلمتين يمكن القول: ماريا كريستينا، عالمة أنثروبولوجيا تعمل مع أطباء بلا حدود، تبلغ من العمر اثنين وستين عامًا. ولكن هذا سيكون تقليصًا مجحفًا، كأننا نقطع أجزاءً من حياتها بالفأس، تلك الأجزاء التي كوّنت شخصيتها كما هي اليوم.

صحيح أنها تعمل الآن مع منظمة “أطباء بلا حدود”، لكنها انضمّت إليها بفضل خمسين عامًا من الحياة المليئة بالمغامرات، والتي عاشتها حتى عام 2010، حينما قدّمت طلبًا للالتحاق بالمنظمة. قبل ذلك، كانت تعمل أولًا كمهندسة أزياء، ثم كمصممة أزياء مبتكرة، وسافرت إلى المكسيك وقرّرت في النهاية أن تقيم هناك. تبع ذلك دراساتها في علم الأنثروبولوجيا، ثم عملها على الرسومات والأقمشة، وتأليف الكتب والمقالات. ثم عادت إلى إيطاليا، وبدأ اهتمامها بالأنثروبولوجيا الطبية، أي العلاقة بين المكان والصحة، والمرض والموت. ومن هناك، إلى “أطباء بلا حدود”.

“كيف يمكن أن نعرّف أنفسنا بكلمتين فقط؟ كيف يمكن أن أشرح أنني أحب حالات الطوارئ، وأحب تلك اللحظات التي يستطيع فيها بصري الأنثروبولوجي أن يرى ويُقيّم بسرعة أمورًا لا يلاحظها الآخرون؟”

كانت أول بعثة لها في غواتيمالا، لمدة ثلاثة أشهر. ثم اندلع في غينيا وباء الإيبولا، حيث كانت نسبة الوفيات بسبب الفيروس مرتفعة جدًا، وكانت ظروف الحياة في منتهى الخطورة.

كان مركز الإيبولا التابع لأطباء بلا حدود يُدعى Centre d’Isolation (مركز العزل)، ولكن مصطلح “العزل” لم يكن له مقابل واضح في اللغة المحلية. لذا، كان من المهم جدًا إيجاد اسم بديل، فتم اختيار “مركز الرعاية”، رغم أن في تلك المرحلة الأولية، من بين كل مئة مريض يدخلون، لم ينجُ سوى خمسة.

لم يكن أحد يعرف ما يحدث داخل المستشفى، ولكن كان هناك شيء واحد مؤكد: من يدخل ذلك المكان، يموت.
أما أن الموت كان يحصل خارجه أيضًا، فكان أمرًا يبدو أقل أهمية. أمضت أيامًا تحاول أن تجد وسيلة للتواصل مع الناس خارج المركز، لنقل ما يحدث بداخله. وفي النهاية، وبالاتفاق مع بقية الفريق، قرّرت استدعاء صانع أفلام محلي لتوثيق الحياة داخل المنشأة.
وفي الفيديو، أظهر الرجل كيف كان يتم علاج المرضى، وبيّن كفاءة الطاقم الطبي، وسجّل شهادات من نجا من المرض ومن أفراد عائلاتهم. ثم تم تسليم الفيديو إلى الناجين، أولئك القلائل الذين تعافوا من الفيروس. وبمناسبة عرض الفيديو، تم تنظيم جلسات مفيدة لشرح آليات انتقال العدوى.

“لو كنت أنا من شرحت ذلك – امرأة بيضاء من مستشفى غريب يموت فيه الناس بدلًا من أن يشفَوا – لما كنت حقّقت النتيجة ذاتها.” عدتُ إلى غينيا مرةً ثانية، ثم ثالثة، وعندها طلب مني زملاء الموارد البشرية أن أتوقف. بدا لي ذلك القرار ظالمًا حينها، لكنني أدركت لاحقًا أنهم كانوا على حق.
لا يمكن للمرء أن يعيش في طوارئ دائمة لفترة طويلة؛ لأنك تُسحب تدريجيًا إلى دوّامة غير طبيعية، حيث يصير الحذر المفرط من العدوى بمثابة جلد ثانٍ.

“فقط عندما أعود إلى المنزل، أُدرك فعليًا ما الذي عشته، وما مدى الخطر والتعب. الانطلاق في المهمة سهل، والبقاء في الميدان يمرّ، لكن العودة… العودة صعبة للغاية.”

لكل عامل في أطباء بلا حدود هوسه الخاص؛ أما هوسي أنا، ماريا كريستينا، فهو أن أكتشف من يتّخذ القرارات المتعلقة بالصحة في كل مكان أذهب إليه في مهمة. الاعتقاد بأنهم الشيوخ أو زعماء القرى هو تصور رومانسي وأقرب إلى العقلية الاستعمارية. لأنّ من يساهم حقًا في تشكيل الرأي العام الصحي، مثلًا في الكونغو، أتعلمون من يكون؟
إنهم الشباب الذين يتقنون الفرنسية، وبالتالي يستطيعون الوصول إلى معلومات خارج نطاق القرية.

ولهذا، أنا – ماريا كريستينا – اقترحت في ذلك البلد فكرة غريبة، لكنها نالت موافقة زملائي بسرعة مذهلة. كتبتُ مع مغنّي راب شاب من أهل البلد أغنية جذابة، بإيقاع سريع، تتضمّن خلاصة المعلومات التي كانت منظمة أطباء بلا حدود ترغب في إيصالها حول الفيروس.

وفي وقت قصير، أصبح الناس في القرى المجاورة كلهم يرقصون ويغنون نفس الأغنية.

وهذا بالضبط ما يجعلني أحب منظمة أطباء بلا حدود: من أجل حيادها، الذي تحافظ عليه بفضل استقلالها المالي، من أجل العلاجات المجانية، ومن أجل رغبتها في إعطاء صوتٍ لمن لا صوت له. ولكن أيضًا، لأنها تقبل إبداع أنثروبولوجية غريبة الأطوار مثلي!”

نيكول

ميريلّا، في الأربعين من عمرها، أخصائية نفسية.
أنظر إلى ساعتي. لا يزال لديّ بعض الوقت قبل أن تهبط طائرة رفيقي. هذه المرّة، لم نتمكن من الانطلاق معًا في المهمة ذاتها، فافترقنا في اتجاهين مختلفين من هذا العالم. لكن على الأقل، نعود في اليوم نفسه. سيكون جميلًا، بل وغريبًا، أن نلتقي من جديد، ونتحدث عن واقعَين مختلفَين: فلسطين والكونغو. سيتعيّن علينا أن نُمهل ذكرياتنا، وعواطفنا، ولقاءاتنا، حتى تستقر في داخلنا، ثم نستعيد صلتنا ببيتنا وحياتنا المشتركة.

«هيه!» أحتجّ على امرأة صدمتني بعنف. لكنها تتابع حديثها بانفعال مع صديقتها، دون أن تعتذر حتى. لم أعد أفهم المراهقين في هذا الزمن! إنهم من كوكب آخر! أسمعها تصرخ بغضب وهي تبتعد.

كنتُ أودّ أن أسألها: «لكن، هل تُنصتين إليهم حقًّا، إلى هؤلاء المراهقين؟» لأنني، كأخصائية نفسية، أعتقد أن هذه هي المشكلة تحديدًا: لم نعد نصغي إليهم. صحيح أن التكنولوجيا أحدثت تغييرات كبيرة في العلاقات، لكن السمات الجوهرية للمراهقين، ومشاعرهم العميقة، أجدها متماثلة في كل مكان أعمل فيه كأخصائية نفسية مع أطباء بلا حدود.

اليوم، يشعر الفتيان بخوف أكبر مما كان عليه الحال قبل ثلاثين عامًا:
إنهم يرَون المستقبل كمشهد درامي وفوضوي. يتعرضون لكم هائل من المعلومات والصور، يرَون الكثير، لكنهم لا يختبرون اللقاء. ومع ذلك، يبقى التعبير عن الرأي حاجة أساسية لدى المراهقين، في جميع أنحاء العالم.

ولهذا، كنتُ سأطرح على تلك المرأة سؤالًا واحدًا:
«هل تضمنين لهؤلاء الذين تصفينهم بالكائنات الغريبة مكانًا، وزمنًا، وحيّزًا آمنًا، ليتمكنوا من الانفتاح والتعبير؟» كان عليها أن تتعرّف إلى لويس، في هايتي. هناك، تعيش السّكان منذ وقت طويل في خضمّ حرب عصابات حضرية مأساوية، حيث تُجنّد الفِرَق الصبيان ما إن يتمكنوا من حمل السلاح.
تدير أطباء بلا حدود مشروعًا مخصصًا للنازحين داخليًا، أولئك الذين هربوا من منازلهم ولجأوا إلى أماكن محمية: ملاعب رياضية، وصالات تدريب، وساحات مدارس.

كان لويس فتى طموحًا، يمتلك صفات قيادية. بثقة كبيرة، عرض مساعدتنا في جمع الأطفال للمشاركة في أنشطتنا.
وحين بدأنا نتحدث معهم عن الأحلام والمخاوف، أعلن لويس أنه يريد أن يصبح زعيمًا محلّيًا للعصابات، حتى يضمن لنفسه موقعًا قويًا، وبالتالي حياة آمنة. لم يكن يقدّر الخطر الشخصي الذي قد يودي بحياته، ولا الأذى الاجتماعي المترتب على إعادة إنتاج نموذج مدمّر.
كان يصوّر فقط حلمًا بتحقيق الذات. ومع أنه ظلّ يبدو متفاخرًا أحيانًا، إلا أنه واصل المشاركة في ورشنا، حتى جاء اليوم الذي أخبرنا فيه بأنه غيّر رأيه بشأن مستقبله. لم يعد يريد أن يكون قائد عصابة، بل أراد أن يعمل مع أطباء بلا حدود.
وأخبرنا، على وجه التحديد، أنه يرغب في مساعدة الأطفال الآخرين ليجدوا مساحة آمنة للعب والنمو، كتلك التي عاشها معنا.

قال لنا: «نحصل على الكثير من المساعدات الملموسة، من ملابس، ودفاتر، وطعام، لكن يبقى من الصعب دائمًا العثور على مساحة تخصّنا».

كان يقصد مساحة آمنة يُستمع فيها إليهم، يُتاح فيها التفكير في نقاط الضعف والمشاعر. ولهذا أعمل مع أطباء بلا حدود:
لأنها منظمة، حتى في أحلك حالات الطوارئ الإنسانية، لا تغفل أبدًا عن الحاجة النفسية، وتوفّر للفرد مكانًا، وأُذنًا صاغية، وصوتًا يُسمَع.

هذا المطار، بما يضجّ به من أناس من مختلف الجنسيات والأديان، بذكرياتهم ومصائرهم المتقاطعة، وأحلامهم وتجاربهم التي تذهب وتعود، يشبه كثيرًا منظمة أطباء بلا حدود. العمل معهم، بالنسبة لي، يعني أن أضع نفسي دائمًا موضع اختبار، أن أعيد تشكيل معارفي بناءً على ثقافة المكان. فنحن العاملين في الميدان، علينا أن نصغي إلى الثقافة المحلية ونفهمها، حتى نتمكّن من تخيّل مشروع فعّال.

وأنا أسير في المطار، ألمح عائلةً تتقدّم ومعها ثلاثة أطفال، يجرّ كل واحد منهم حقيبته الصغيرة بحسب قدرته.
أحبّ المسافرين الصغار. خصوصًا في هذا العصر، حيث أصبح كل شيء أقرب افتراضيًا، لكنه أبعد شعوريًا.

أصبحتُ أخصائية نفسية لأنني كنت مهتمة بالنفس الإنسانية، بالاختيارات، بالقيود، والإمكانات. وانضممتُ إلى أطباء بلا حدود لأني لم أعد أطيق تجاهل ما يحدث بعيدًا عني، في أماكن لا يعرفها أحد، لا تحظى باهتمام وسائل الإعلام.

لأن الطفل في هايتي له الحق ذاته في أن يُستمع إليه، كالمراهق “الغريب” في إيطاليا. لأنّ حكاياتنا هي علاجنا، إن منحنا أنفسنا وقت اللقاء. ثم، ها هو هناك، في نهاية الرواق، أميّزه أولًا من قبعته، ثم من مشيته، وأخيرًا من الحقيبة التي تظهر خلف كتفيه. إنه هو! أركض نحوه… وكلّ ما عداه يتلاشى.

سيموني

موسى، يبلغ من العمر اثنين وثلاثين عامًا، وسيط ثقافي.

“إن كان لي أن أساعد، فسأفعل ذلك بكل سرور”، قلتُ وأنا أساعد امرأتين على رفع حقائبهما. استدار بعض الجالسين لينظروا إليّ. أعلم أن صوتي يختلف عن أصوات البيض؛ فهو أكثر غلظة، وأخفض نبرة، وفي فمي ترتدّ الأصوات وتدوي قبل أن تخرج. قالت لي زميلة ذات مرة: “في صوتك ترنّ طبول أرضك.”

ولدتُ في ساحل العاج، وبلغتُ إيطاليا قبل اثني عشر عامًا، عبر لامبيدوزا. لا أرغب في استرجاع ذلك السفر، فقد أصبح من الماضي. كنتُ في العشرين من عمري، بلا أي تصور لما سيكون عليه مستقبلي؛ لم أرد سوى أن أعيش حياةً شريفة، يسودها السلام.
اليوم، أعيش في صقلية، أعمل، وأنا سعيد. أعمل وسيطًا ثقافيًا لدى منظمة أطباء بلا حدود، وأعتني بالمهاجرين الذين يتحدثون بلهجتي أو بالفرنسية، وهي اللغة الرسمية في معظم الدول الإفريقية.

أنا جسر يصل بين الطبيب، والممرّض، والأخصائي النفسي من جهة، وبين المهاجر من جهة أخرى. لا أترجم اللغة فحسب، بل أترجم الثقافة أيضًا. أنقل الكلمات، والسلوكيات، والإيماءات، ونبرة الصوت من ثقافة إلى أخرى. فالأشياء التي قد تُعدّ طبيعية في ثقافة، قد تُفهم على أنها تهديد في ثقافة أخرى.

خذ مثلًا النظر في عيني الآخر: في إيطاليا، يُعدّ ذلك علامة على حسن الإصغاء والاحترام، بينما في ساحل العاج يُعتبر سلوكًا غير مهذب. إن لم أقم بترجمة هذا الفارق، فلن يستطيع الناس أن يفهموا بعضهم بعضًا، ولن تنشأ الثقة.
الثقة… يا لها من كلمة جميلة! بناء الثقة هو هدف عملي. عملي صعب، معقد، مجهد، لكنه دومًا يستحق الجهد.

المهاجرون الذين يصلون إلى سواحل إيطاليا لا يستطيعون مواجهة كل شيء بمفردهم، فهم عرضة لأن يفقدوا ذواتهم.
عملنا يصنع الفارق.

لدى منظمة أطباء بلا حدود مشروع خاص بالاستقبال الأولي للمهاجرين الذين يصلون إلى إيطاليا. نوفّر دعمًا نفسيًا فوريًا للناجين من حوادث الغرق، في تلك اللحظات العصيبة التي يدركون فيها أنهم نجوا، لكنهم فقدوا ابنًا أو أخًا أو صديقًا. يجدون أنفسهم في بلد لا يعرفون لغته ولا رموزه التواصلية، فتصبح كلمات وإيماءات الأوروبيين غامضة أو غير مفهومة.

أغلق عينيّ. وفي ظلام جفوني المنسدلة، تتجسّد وجوه من التقيتُ بهم خلال هذه السنوات. أتذكّر شابًا وصل إلى إيطاليا منهكًا، وكانت آثار التعذيب في ليبيا باديةً في ندوبه ولا مبالاته. لم يكن يرغب في الحياة، بل في النوم فقط.

لرجل إفريقي، قادم من رحلة طويلة عبر جحيم البحر المتوسط، أن يجد شخصًا مثله، إفريقيًا، يستطيع التحدث إليه — هذا أمر بالغ الأهمية. يرى فيّ نفسه، ويشعر أن أحدًا يراه. يناديني على الفور: “أخي!” يسألني المشورة، ويطلب مني أن أنقل رسائل للبيض. أنا، بالنسبة لهم، الضمانة التي تؤكد أن ما يقوله أو يفعله الأوروبيون لن يضرّهم.

الناس يتحدثون عن البحر المتوسط باعتباره أكبر مقبرة في العالم. لكنهم لم يشاهدوا الصحراء التي يُجبر المهاجرون على عبورها قبل الوصول إلى ليبيا. صحراء من رمال وعظام. ضائعة فيها الطرقات، تفرغ فيها السيارات من الوقود، ولا ترى حولك إلا كثبانًا ولهيبًا. ومن يتعثر، أو يشكو، أو يسقط، يُترك هناك ليموت.

المهاجر يعلم أن رحلته محفوفة بالمخاطر، لكن لا أحد يخبره عن تلك الصحراء المتّقدة، ولا عن البحر الذي يبتلع القوارب المطاطية المنهارة. وحين يدرك الحقيقة، حين يصبح أفقه كثبانًا جائعةً تطلب مزيدًا من الضحايا،
وحين يحاول وسط العاصفة أن يفرغ بيديه قاربًا يغرق، حينها لا يمكنه العودة إلى الوراء. ليس أمامه سوى المضي قدمًا، والدعاء ألّا يموت.

الاستماع إلى هذه القصص أمر شاق. يتطلب شجاعة والتزامًا. وأنا أعلم أنني أملك كليهما، لي ولأجلهم. منذ اثني عشر عامًا، لم أكن أستطيع أن أرسم لونًا أو شكلًا لمستقبلي. كان مجرد أمل غامض، بلا ملامح. أما اليوم، فلديّ الكلمات لأصفه:
مستقبلي هو أنا. كل شيء يتوقّف عليّ. أنظر من خلف الزجاج إلى السماء اللامتناهية، ولا أستطيع إلا أن أبتسم،
لأني أعلم تمامًا من أنا. اسمي موسى، أبلغ من العمر اثنين وثلاثين عامًا، وأعمل وسيطًا ثقافيًا لدى أطباء بلا حدود.
وأشغل مكاني في هذا العالم بكل كرامة.